حسن الأمين

208

مستدركات أعيان الشيعة

كتب كاتب نادر « الميرزا مهدي خان » في كتاب له في تاريخ نادر شاه ما معناه : « ظل نادر مثال الشهامة في السلطان والسيطرة والعدالة والرفق بالعاجزين إلى يوم عاد فاتحا من خوارزم ثم توجه إلى داغستان فلم يكن توفيقه في حروبه في ذلك الإقليم كاملا . واستولت عليه الوساوس والأوهام فأعمى عيني كبير أبنائه ولي عهده رضا قلي ميرزا ثم ندم . ومن شدة الغصة تغيرت أحواله وأصبح ذا مزاج غاضب . وزاد في تغيير أحواله أنه ، إذ كان ينوي أن ينصرف من داغستان ودربند إلى احتلال القسطنطينية ، قامت في إيران فتن وثورات في نواحي مختلفة ، قتل فيها فريق من خيرة رجاله . فازدادت انفعالاته العصبية حدة وأدى ذلك إلى نفور الناس منه وابتعادهم عنه . وبلغت به هذه الحال إلى أن أصبحت أفعاله وحركاته غير طبيعية . وأخذ يوقع بموظفي الضرائب عقوبات قاسية . وزاد في نقمة الناس عليه قسوة التدابير التي كان يتخذها لمنع الثورات ، والظلم الذي كان يرتكبه الجباة . « وفي أوائل الشتاء من سنة 1159 هجاء نادر إلى أصفهان فأقام فيها بضعة أسابيع . وألمت به وعكة ، وهو يقاسي تلك المتاعب الروحية والبدنية من مشقات العمل الطويل والحروب المتوالية وما لقيه من نكران للجميل ومن أكاذيب حاشيته ، وخروج ابن أخيه » علي قلي ميرزا « عليه ، وقد رباه بعد مقتل أبيه في حجره ورعايته . وكان قد بعث به إلى سيستان لاخماد ثورة قامت هناك ، فإذا به هو نفسه يثور عليه . فجعل كل ذلك نادرا حاد المزاج سئ الخلق . وفرض على الأجانب المقيمين في إيران ضرائب ثقيلة . « وفي سنة 1160 هغادر أصفهان إلى يزد وكرمان . وفي طريقه كان يقمع المتمردين بشدة . ثم تابع سيره إلى مشهد . فاجتاز صحراء لوت القاحلة ، ومات كثير من جنده فيها جوعا وعطشا . « فلما وصل إلى طبس ، وهي أول مدن خراسان في الجنوب ، دعا إليه أبناءه وأحفاده ، وكان قد أحضرهم إليها قبل ذلك . فاستعرضهم ودقق النظر فيهم . ثم عرض عليهم أن يكون التاج والعرش للأرشد منهم . وكانوا كلهم يخشون أن يكون أبوهم قد نصب لهم فخا ليوقع بهم . فامتنعوا كلهم عن القبول محتجين بصغر السن وقلة التجربة « . اه . وقال الأب « لويس بازن » الفرنسي طبيب نادر في إحدى رسائله التي بعث بها إلى رئيسه ، في كلامه عن قدوم نادر إلى مشهد في تلك الرحلة : « لما وصل نادر إلى مشهد عمت خشيته كل الناس ، من محليين وأجانب وحكام وضباط وجنود . وبدئت المؤامرات السرية عليه من كل جانب . حتى أقاربه كانوا ينظلمون . وأخذ هو يشك في حاشيته . وصعب عليه إلى حد بعيد انصراف كثير من الجند عنه . ودعا بعض حكام المدن إلى الحضور عنده ، وعاقبهم عقابا شديدا وفرض عليهم أن يجمعوا له مبالغ ثقيلة من المال . « ثم سافر إلى كلات فتفقد العمارات التي كان قد أمر ببنائها ، ومنها خزانات الأموال ، فأودع فيها مما غنمه من النقود والجواهر والمفروشات الثمينة وما أشبه ذلك شيئا لا يقدر ثمنه . وقد استعمل في إنشاء هذه العمارات حجارة كبيرة جلبت من مراغة وبلغ وزن بعضها من ستة عشر طنا إلى عشرين طنا » . اه . ثم جهز جيشا ليقمع ثورة قام بها الأكراد في بلدة « قوشان » . وكأنما كان يشعر بالخطر الذي يهدده وأسرته ، فبعث ، قبل أن يغادر مشهد ، بأولاده إلى « كلات » ليكونوا في مأمن إن حدث شيء . وسار حتى وصل إلى « فتحآباد » على بعد اثني عشر كيلو مترا من « قوشان » فعسكر فيها . وذكر الأب « لويس بازن » طبيب نادر ، وكان في صحبته في « فتحآباد » يومئذ : « كأنما كان نادر عالما بالمصير المشئوم الذي كان مقدرا عليه في هذا المكان . فقد ربط في حرمه حصانا مسرجا مهيا دائما للركوب . وعزم أكثر من مرة على الفرار إلى كلات . ولكن حراسة حالوا بينه وبين الفرار ، ونبهوه إلى ما للفرار من عواقب مشئومة ، وعاهدوه على أن يبذلوا دماءهم حتى آخر قطرة من أجل المحافظة على حياته . وما زالوا به يطمئنونه حتى عدل عن الفرار » . اه . وكان في مقدمة المحرضين عليه قريبه « محمد قلي خان أفشار » قائد حرسه الخاص و « صالح خان قرقلو أفشار » مدير شؤون البلاط . وكان حرس معسكره يتالف من أربعة آلاف أفغاني يوالونه كلهم ويبطنون العداوة للإيرانيين . فاحضر عنده رؤساء الأفاغنة واختلى بهم ، وقال لهم : أنا غير راض عن حرسي الخاص . أما أنتم فان شجاعتكم وصداقتكم أمر مسلم به عندي . وإني آمركم بان تقبضوا غدا على ضباط حرسي كلهم وتقيدوهم ، فمن قاومكم منهم اقتلوه بلا تردد . وأوصاهم بالتيقظ في المحافظة على حياته ، إذ هو لا يعتمد على أحد غيرهم . فأجابوه بالسمع والطاعة . وانصرفوا متهيئين لانفاذ أمره . وبدا نادر في ذلك اليوم في منتهى القلق والاضطراب على خلاف المعهود منه ، وكان لا ينفك يتردد بين حرمه ومجلسه لا يستقر به مكان . ولا يجرؤ أحد من جلسائه على سؤاله عن السبب . إلا أن أحد خواصه المقربين من أصحاب الدالة عليه تجرأ فسأله عن سبب قلقه واضطرابه . فاختلى به نادر وقال له : « لقد رأيت حلما أقصه عليه فلا تبح به لأحد : « في أول أمري ، قبل أن يهبني الله هذه الدولة ، أرسلني بابا علي بيك كوسه أحمد لو حاكم أبيورد إلى أصفهان في مهمة . فسرت إليها ومعي بضعة نفر . فلما وصلنا إلى هذا المنزل ، فتحآباد ، نصبنا خيمة صغيرة في هذا المكان الذي ينتصب فيه الآن هذا الفسطاط الملوكي . فلما نمنا رأيت في ما يرى النائم أن شخصا يناديني أن أحضر إليه . فلما حضرت إليه قال لي : هيا معي فان الحضرة تطلبك . فسرت معه حتى بدا لي في الصحراء مكان مرتفع ، يجلس في أعلاه اثنا عشر رجلا من الأجلاء ، قد أزهرت الصحراء بنور وجوههم . فقدمني ذلك الشخص وقال : هو حاضر . فقال أحد أولئك الأجلاء ، وكان أكثرهم جلالا ، لآخر منهم : أحضر ذلك السيف . فامتثل لأمره وأحضر السيف إليه . فطلب مني أن أتقدم فامتثلت . فنطقني بالسيف وقال : إنا أعطيناك رئاسة إيران ، فاسلك بعباد الله مسلك الروية . ثم أذن لي بالانصراف . فلما أفقت كتمت الرؤيا لم أقصصها على أحد . وما زلت أتقدم وأعمالي تتم وفق المراد حتى بلغت إلى هذه الدولة الموهوبة من الله . « وفي الليلة البارحة رأيت في نومي ذلك الشخص نفسه الذي أخذني